الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

التمييز الإيجابي (تدوينة)

المهدي بن أحمد طالب
 باحث في الفكر الإسلامي
منذ أمس الدابر أصبحت شوارع الفيس بوك وأمست أزقته مستنقعا لما أطلق البعض عليه #‏أوقفوا_التمييز وبعد أن كاد الزقاق الذي يقابلنا منه أن يغرق بالخربشات التي تطفوا عليها دعوات تحمّل طبقة اجتماعية معينة أسباب الاحتباس الحراري الاجتماعي وتجمّد طبقة الأوزون الفيئوي وصبّت جام غضبها على التاريخ والجغرافيا وأذرف المدونون - الكبار - سيلا من الإعجاب والفخر والحماس بسبب وهج الجنود الصغار أصحاب القبعات المزركشة باللون الأحمر والأسود.
إنّ هذه الطبقة تعتبر هذا فخرا ومكسبا وإلى حدّ الساعة لا يستطيع أحد من أرقائهم البوح بهذا فضلا عن المطالبة بتغييره رغم كثرة منابر الصهيل ومراكز النقيق وما يسمى بالاعلام الحر.
إنّ مجتمع " البيظان " يعيش حالة من شدّ الاعصاب بسبب امتحانه واختباره وتحميله أوزار الأولين والآخرين وأعتقد أنّه سيجد نفسه يوما من الأيام مضطرا للإفصاح عن شعوره تجاه الطبقات التي تسِمه بأشياء هو منها براء ...
صحيح أنّ بعض قبائل " البيظان " كما هو الحال في " البولار والسوننكى " كانوا يسترقّون بعض الغرباء وليس هذا خاصا بلون من الناس؛ ولم يكن الدين يومها طرفا في هذه المشاكسة القائمة على سياسة العمل مقابل الغذاء، وإنّما استوحوا هذا من حكم أمر الواقع، وقد استوى في هذا مختلف الأجناس البشرية.
يحكى في الموروث الشعبي " البيظاني " أنّ لصوصا من قطاع الطرق وجدوا رجلا فيه سُمرة وأخذوه للبيع فقال لهم بأنّه "شريف" فقالوا له " بركت بوك وتربح " مما يدلُّ على أنّ سياسة الغاب - حينها - لم تكن تميّز بين شخص وآخر وإنّما المنفعة هي سيدة الموقف.
إنّ الطبيقية الآبارتايدية ليست موجودة في " البيظان " وحدهم، بل إنّ ما يوجد منها في " البولار والسوننكى " أشدُّ ومن خالط القوم يدرك أنّ للعبيد مقابرهم وقراهم وزيهم وعاداتهم التي تخصّهم ولا يمكنهم مجالسة طبقة العرب - منهم - وأصحاب الشأن العام على فراش واحد ولا حتى تجاوز الخطوط الحمراء.
أرجع وأقول علينا أن نفحص سبب التمييز الاجتماعي ودوافعه والتي في مقدّمتها الفقر والجهل فلولاهما لما استطاع أحد إقناع آخر بأنّه أفضل منه بحكم المستوى الثقافي والمادي وحينها نقضي على مخلّفات الاسترقاق الثقافي والاجتماعي ... أما سياسة التمييز الافتراضي والسباحة في بحار البوح والمشاعر الافتراضية وتطبيق جميع أنواع العنصرية الثقافية والاجتماعية في الواقع المعاش فلن تقدّمنا إلى مزيد من الاسترقاق الثقافي.
وصدق مارتن لوثر كنك حين قال للسود الآمريكيين في إحدى خطبه ... مشكلتنا مع الفقر والجهل وليست مع البيض.

الأحد، 14 سبتمبر 2014

الجمعة بين فلسفة التعطيل والتحصيل./ المهدي بن أحمد طالب

المهدي بن أحمد طالب 
إنّ الفقهاء الذين برّروا التحصيل يوم الجمعة لا يمكنهم - شرعا - تبرير التعطيل في السبت والأحد، ذلك أنّ عموم الأدلة دلّت بالفحوى والإشارة إلى مكانة هذا اليوم بين سائر الأيام؛ ومدى خصوصية هذه الأمة به دون سائر الأمم، غير أنّ هذه الأدلة لم تغلق باب التعطيل كما يحب آخرون؛ بل إنّ دائرة الإباحة تركت مساحة أشارت أدلّة أخرى إلى جواز التحصيل في هذا اليوم العظيم دون حرج أو مذمة؛ والفقيه المتمكّن هو الذي يجمع بين الأدلة ويقيس الأشباه  بنظائرها دون حاجة في نفسه تمنعه من الموازنة بين ما حكمه الجواز والإباحة وبين ما حكمه الندب؛ دون إصرار أهل التحصيل وأغلال أهل التعطيل  في تحريم المباح.

إنّ إيجاب أهل التحصيل للتحصيل في هذا اليوم – المبارك - ببعض الأدلة التي دلّ ظاهرها على العمل بعد الجمعة يجعلنا أمام مأزق تمنعه الفلسفة الأصولية؛ ذات النظرة البعيدة عن نظرات أنصاف الفقهاء والأصوليين؛ أصحاب الحلول المجتثة والمقصورة على بعض آي القرآن – الكريم – دون باقي المحكمات الأخر؛ التي دلّت على نماذج فقهية لا تختلف عن غيرها في سياقها الدلالي؛ بحكم اتحاد المصدر والهدف والغاية.
لقد ذهب جمهرة أهل العلم من الأصوليين إلى القول بأنّ الأمر بعد الحظر يقتضي الإباحة وانتشرت هذه القاعدة  في مختلف مصنّفات الفلسفة الأصولية؛ فغاية قول الباري - عزّ وجلّ - {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله } جواز الانتشار في الارض دون لزومه؛ ذلك أنّ الأمر جاء بعد حظر البيع عند إقامة صلاة الجمعة،  فيرجع الحكم اللاحق – الداعي إلى الانتشار – إلى سابق عهده وهو الإباحة. وهذا كثير في كتاب الله، مثل قوله { وإذا حللتم فاصطادوا } و قوله {وأطعموا القانع والمعتر } وقوله { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا } ولم يقل أحد من أرباب المعقول والمنقول  بوجوب الاصطياد ولا الإطعام ولا المكاتبة! وإنّما جاء الأمر على سبيل الجواز والندب.

ومما يحتجُّ به على المالكيين – أصحاب التحصيل – ما ذكره ابن جرير الطبري في جامع البيان عن مالك أنّه قال: فإنما ذلك أمر أذن الله فيه للناس، وليس بواجب على الناس ولا يلزم أحدا.  

يقابل هذا الفريق مذهب أهل التعطيل، أصحاب النظرة الظاهرية؛ حيث أوجبوا التعطيل في الجمعة دون نظر في الأدلة الدالة على جواز العمل والانتشار بعد الجمعة - كما هو ظاهر الكتاب - محتجين بعموم بعض الآثار الدالة على أفضلية الجمعة وتكريم هذه الأمة وبخصوصيتها بها دون أن تلزم  - هي الأخرى - أحكاما غير منع البيع ساعة الجمعة وما يدخل في معنى النهي من الأعمال الأخرى.

لقد كان الناس في عهد عثمان – رضي الله عنه – يشتغلون في أسواقهم يوم الجمعة؛ ولم ينكر أحد من علماء الصحابة – رضي الله عنهم – عليهم فعلهم ذلك؛ غاية ما في الأمر أنّ الخليفة أمر بالأذان – الأول – في ذلك اليوم من فوق الزوراء، إيذانا بالصلاة  وأعلاما بضرورة ترك أسواقهم من أجل التبكير إليها؛ وقد أخذ أهل الاجتهاد وفقهاء الأمصار بهذا الإجماع السكوتي وعملوا به وأمروا به من يستفتونهم في هذا الشأن؛ ولو كان في الأمر حرج لما أخرّ فقهاء الصحابة  البيان مع حاجة الناس إليه بحكم عموم البلوى.

وقد جاء في الموطأ أنّ رجلا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم – دخل المسجد يوم الجمعة، وعمر بن الخطاب يخطب، فقال عمر: أية ساعة هذه؟ فقال: يا أمير المؤمنين انقلبت من السوق، فسمعت النداء، فما زدت على أن توضأت. مما يدلُّ دلالة واضحة على أنّ الصحابة كان يشتغلون في هذا اليوم دون نكير – على حدّ العمل – وإنّما ندبوا الناس إلى التبكير كما دلّت عليه نصوص أخر.

وقد كره المالكية – رحمهم الله – ترك التحصيل في يومها إذا كان بقصد التشبه باليهود في سبتهم والنصارى في أحدهم؛ وأمّا إذا كان التعطيل من أجل الراحة والاستعداد للتبكير إليها فهو أمر ندب واستحباب غير إلزام وإيجاب.
إنّ التعطيل في السبت أو الأحد فيه مشابهة صريحة لما عليه اليهود والنصارى- وقد نهى الشارع عن التشبه بهم - وترك العمل في الجمعة لذات الغرض والقصد فيه مشابهة أخرى لما عليه أهل الكتاب؛ وهذا خلاف هدي السلف وأهل الصدر الأول من المسلمين، الذين كانوا أحرص على الخير وأقرب إليه من غيرهم، وأدرى بفهم النص الشرعي؛ بحكم مواكبتهم للتنزيل ومعرفتهم للأسباب والحوادث.

ثم إنّ ازدواجية التحصيل يوم الجمعة والتعطيل في يومي السبت والأحد؛ تدعو إلى شيء من الريبة! فلماذا لا يبرّر فقهاء التحصيل الموقف الشرعي من حكم التعطيل في يومي السبت والأحد، ويذكروا آثارا عن سلف الأمة في ضرورة التعطيل أو على الأقلّ يستحضروا شيئا من فقه الموازنة بين سائر الأيام، ويرفعوا إلى صاحب الشأن العام، هذا الأمر كما رفعوه إلى الرعية بحكم الأمانة التي توجب – عليهم – ضرورة  النهي عن تأخير البيان عن وقت حاجته؟ 

على فقهاء التحصيل أن يدركوا أنّ الأمر الوارد في شأن الانتشار – يوم الجمعة –  ليس على إطلاقه؛ بل دائر  في خانة  الإباحة، وأن يدرك فقهاء التعطيل أنّ الآثار الواردة في فضل الجمعة  لا تدلُّ – شرعا – على ضرورة ترك العمل، بحكم عمل الصحابة وعدم إنكار بعضهم على بعض، وأن يدرك من بيده زمام الأمر أنّ الأرزاق بيد الله، وأنّ تحصيل الجمعة لن يزيد في قدره شيئا، وأنّ تعطيل السبت والأحد ساق سلفه إلى عضّ أصابع الندم.   
المهدي بن أحمد طالب/ باحث في الفكر الإسلامي 

الجمعة، 18 يوليو 2014

فلسطين والوعد المشؤوم/ المهدي بن أحمد طالب

لا شيء في الوجود يمكن أن يوصف بالبشاعة أكثر من سفك الدماء وإزهاق الأرواح دون مبرر منطقي مقنع ،،، كيف لإنسان سوي يملك قلبا وعاطفة ولديه إحساس وشعور يمكنه أن يحتفل ويرقص ويغني ويتبادل قصص الغرام والحب ويزف رسائل الود ويتبادل الورود الحمراء على مسرح أرض مهّدت جنباتها بجثث الأطفال والنساء ؟ إنّها السادية والشذوذ وجنون البقر !

مما يزيد الحرب الصهيونية وما تحمله من ألغام وأنغام على الفلسطينيين هو طابعها الديني الذي يغذيها، ذلك أنّ اليهودي المتدين في معتقده أنّ الأميين ما هم إلا همج رعاء خلقوا ليتفكّه بهم ويفعل ما شاء دون حسيب أو رقيب. 

لقد شهد عالم الحروب - الذي نعيشه اليوم  - حروبا قذرة وأشدُّها جرما وقذارة تلك الحروب التي تكون على أساس عرقي أو ديني كما في مجزة سريبرينيتسا في البوسنة على يد الصرب والتي راح ضحيتها ثمانية آلاف مسلم ولم تكن الأمم المتحدّة عن ذاك ببعيد.

في بورما قُدّر لشعب أعزل يسمى الروهنجيا أن يأخذ قسطه من العذاب والتنكيل والتشريد وكل ما تحمله كلمة عذاب على يد جماعة من البوذيين القاطنين بين الهند والصين الشعبية على خليج البنغال، وقدّر لهم - كذلك - أن يكونوا عبرة لكل بوذي تسوّل له نفسه اعتناق ديانة تسمى الإسلام ولم تكن المملكة المتحدة البريطانية عن كل هذه الأوزار ببعيد. 

وحين يزدلف بنا التاريخ شيئا فشيئا ونصل إلى قصة القصص وحكاية الحكايات ونقف على أطلال بيت المقدس نجد أنّ كل الحروب القذرة تجد نفسها صاغرة حين نقارنها بالإبادات الجماعية التي تمارس على شعب وجد نفسه دون أن يعرف السبب في رقعة قُدّر لها أن تكون هكذا... نعم هكذا.

في سنة 1917م وعد وزير خارجية المملكة المتحدة البريطانية - حينها - آرثر جيمس بلفور الشعب اليهودي في أصقاع المعمورة بأرض تكون ملكا لهم ولأبنائهم وإلى الأبد وحرام على جميع سكانها الأصليين من أميي الشام وحتى إن تطلب الأمر شطب حقائق التاريخ وتغيير معالم الجغرافيا فالأمر ممكن شريطة أن يتجنّب الشعب اليهودي التفكير في اعتلاء عرش عاصمة الضباب.

إنّ إعجاب بلفور بشخصية الصهيوني حاييم وايزمان جعله يسخّر كل طاقات المملكة المتحدة لإرضائه والسير في ما يهواه ويتمناه وبما أنّ إنشاء دولة ذات تاريخ وجغرافيا يستحق الكثير والكثير، قام بتأسيس جامعة عبرية خاصة بأبناء الشعب اليهودي في مدينة القدس، تكون مهمتها هي سبر أغوار التاريخ وتغيير معالمه في أرض النبوة والرسالات.

إنّ الوعد الذي منحه بلفور للشعب اليهودي هو عطاء من لا يملك لمن لا يستحق، فدولة فلسطين حينها تابعة للخلافة الإسلامية العثمانية وقد امتنع عبد الحميد الثاني حينها من إغراءات اليهود مقابل السماح لهم بقطع أرضية في فلسطين، وقال لمؤسس الصهيونية هرتزل: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهبًا، فلن أقبل، إن أرض فلسطين ليست ملكي إنها ملك للأمة الإسلامية وإن مت فخذوها دون مقابل.

لقد رفض عبد الحميد الثاني التنازل عن أي شبر من فلسطين لليهود وحتى إن تطلب الأمر زوال الدولة العثمانية، الأمر الذي حصل بعد سياسة الرجل المريض التي حوصر بها عبد الحميد وقسّمت أرضه وفق مخطط سايكس بيكو.
 المهدي بن أحمد طالب/ كاتب وباحث في الفكر الإسلامي 
-----------  
يتواصل

الأربعاء، 16 يوليو 2014

حاشية فيسبوكية على وثيقة لمعلمين:

وثيقة لمعلمين
وثيقة لمعلمين التي خرجت بعد حراكهم التوعوي لا تختلف في صياغة ديباجة مضامينها عن وثيقة لحراطين الطائفية...

بدت الوثيقة بعرض عضلاتها وإظهار مفاتنها ولعن ماضي الغير وتمجيد وتقديس كل ما له صلة بلمعلمين في غياب تام للعقل الواعي وسباحة في مجاهيل اللاوعي.

إن الدستور الموريتاني يمنع التعددية الشرائحية وتقسيم الثروات الاقتصادية على أساس طائفي كما أنه يمنع أي دعاية عنصرية أو عرقية.

في المحور الاجتماعي حمّلت الوثيقة كل ما عانته الشريحة من ظلم للماضي وصبّت جام غضبها على الحكواتيين الذين كانوا يتخذون منها مصدرا  للتفكه في المجالس دون أن تحمّل الوثيقة  النظرة  الدونية التي كان " لمعلم " ينظر بها إلى نفسه ككائن ناقص الأهلية.

 ليس بمقدوره الدولة الآن نبش القبور ومحاسبة الأموات على شيء لا يعتبرونه جرما ...

كما تحدّثت الوثيقة عن حِرفيي الماضي وأنّ العقيدة الصنهاجية هي من ألزمتهم - حينها - بامتهان الحرف اليدوية دون غيرهم غير آبهة بواقع الحياة المعيشي الذي فرض على الناس تقاسم الأدوار الاجتماعية، كلٌ حسب جهده وطاقته، فمن لا يمكنه حمل السلاح ومنازلة العدو لا بدّ وأن يمتهن حرفا تتماشى مع قدراته العقلية والجسمية مقابل حمايته من ظلم الأعداء المتربصين بكل من لا حامي له.

طالبت الوثيقة بتوفير وظائف للمرأة ( لمعلمه ) تتمثل في إشراكها في القرارات السيادية وإشراك النخب المثقفة من هذه الشريحة في المنتديات العامة. وحملت الأحزاب السياسية عدم إشراك لمعلمين في مجالسهم النيابية والبلدية.. وطالبت الوثيقة بتوظيف شباب لمعلمين في قطاع الصحافة والإشراف على بعض البرامج الحوارية ... وطالبت بتوظيف إمام من لمعلمين في الجامع - الوهمي - الذي تعهدت الدولة ببنائه... وطالبت بمنح علماء لمعلمين مكانة خاصة في الإعلام .. ونوّهت الوثيقة بالدور التاريخي للحرفيين لمعلمين - وكأنّ باقي الشرائح ليس لديها ما تفتخر به - وطالبت الوثيقة بعدم طبع أي مؤلف يتهجم على لمعلمين وكأنّ هذه الشريحة تعيش حربا ضروسا مع مؤلفين وهميين... وطالبت بيوم وطني خاص بدور لمعلمين ... وطالبت الوثيقة بتنظيم الأسواق التقليدية من أجل الحفاظ على إنتاجهم .. وهدّدت الوثيقة بنفاذ صبر لمعلمين وأنّهم تحملوا عقودا من الظلم الأمر الذي يعد بمقدورهم تحمله ... 
--------------------------
ملاحظاتي هي:

1- الحراك النخبوي للمعلمين هو من يكرّس مفهوم  الطبقية والشرائحية في مجتمع الدولة الحديثة ... لماذا لا ينافس أبناء لمعلمين أبناء آزناكة  والشرفة ولحراطين وأهل اللخلة على المقاعد الدراسية وفي المسابقات الوظيفية بدل البكاء والتحسر على ماض سحيق ؟

2- لماذا لا يندمج المثقف لمعلم في أحد الأحزاب السياسية ويقودها إن شاء بدل العقدة الانفصامية بأنّ لمعلم لا حق له في القيادة ؟

3- في المجال الاعلامي المعاصر الشبكات العنكبوتية مفتوحة أمام الأشباح لماذا لا يقتحم لمعلم مجاهيل الشبكة ويسبر أغوارها بدل التحسر على عدم إدارته لبرنامج تلفزيوني ؟

4 - في المجال الصناعي الحديث لم يعد الناس يستخدمون الصنائع التقليدية  إلا للزينة فالشركات الصينية كفت دول العالم الثالث كل المنتوجات التقليدية  ببدائل حديثة أكثر مواءمة للواقع وتطوراته ..

5 - على ذكر تخصيص يوم وطني لتثمين دور لمعلمين ألا يبعث هذا أبناء الطبقات التي مات آباؤها دفاعا عن الوطن من غير لمعلمين نفس الشعور مما يشي بمفهوم يكرّس الشرائحية في الوقت الذي بإمكان الجميع تغليب مفهوم الوحدة الوطنية بدل التباكي إرث لم يبذل الحاضرون فيه أي جهد؟

6- في المجال النقابي يكفل الدستور الموريتاني للمواطنين الاندماج في نقابات المرخصة والتي لا تحمل أي عنف عنصري فلماذا لا يلتحق المثقف لمعلم بإحداها دون أن يحدث ضجيجا إعلاميا وكأنه سلب حقا ورثه من السماء ؟


وفي الختام أتمنى من الإخوة لمعلمين تغليب الاندماج الاجتماعي بدل التباكي والتحسر على الماضي وما يحمله من أحزان وأتراح وتغليب روح المنافسة الفكرية والوطنية في الحاضر والمستقبل من أجل الشراكة في بناء موريتانيا  الغد دون أساس عنصري . 
                    أخوكم المهدي ولد أحمد طالب - كاتب وباحث في الفكر الإسلامي 

الوثيقة هناhttp://www.essaha.info/?q=node/1425

الثلاثاء، 8 يوليو 2014

نحن والاستلاب الحضاري / المهدي بن أحمد طالب

المهدي بن أحمد  طالب
 كاتب  وباحث  في الفكر الإسلامي
المغلوب مولعٌ أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده ، بهذه الكلمات استفتح عبد الرحمن ابن خلدون - رحمه الله - فصلا من فصول مبتدئه وخبره، مُعبرا عن حالة لاشعورية تصيب المهزومين نفسيا وفكريا واجتماعيا وسياسيا، الطافحين فوق سطح الإغراءات المادية والمعنوية.
إنّ ظاهرة الاستلاب الثقافي والهيام بكل ما هو غربي، سلوك أسبل ستاره المظلم على أرجاء أمتنا الإسلامية، حيث أصبحت ظاهرة التثاقف - عندنا - ناقصة ما لم يلك أحدٌنا لهجة من اللهجات الغربية أو يستدلّ أو يتمنطق بأحاجي ديكارت وفرانسيس بايكون وهيغل وشوبن هاور وفولتير ولينين ودور كايم وداروين ،،، ونتناسى دور ابن ماجد في علم البحار، وابن العوّام في علم النبات، وابن النفيس والرازي في علم الطب، وابن الهيثم في علم البصريات، والإدريسي والقزويني في علم الجغرافيا، والبتاني في علم الفلك، والبيروني والخوارزمي في علم الرياضيات، والصبّاح في علم الفيزياء، والكندي والفارابي وابن رشد والغزالي في علم الفلسفة؛ لماذا ننظر إلى الدهاقنة الغربيين وكأنّهم كل شيء مع علمنا أنّ ماهم إلا سُراق فكر ومعرفة استولوا على ثقافتنا أيام هجمتهم على كل ما نملك بحجة الاستكشاف ؟
الاستلاب الثقافي هو تقمص شخصية الغير والظهور بمنطقه في مسلسل درامي غاب فيه الضمير والعقل؛ غاب فيه الولاء للذات والقيم، إنّه الذوبان الممجوج والانبطاح الممقوت.
ليس عيبا أن نستفيد من ثقافة غيرنا ولا أن نتبصّر في خبراته وصنائعه المتعلقة بالعمران البشري أوالعلاقات الإنسانية، لكن أن تموت فينا روح الإيمان بالذات والقدرة على تجاوز مرحلة الهزيمة النفسية إلى درجة أن نصبح نتعلم من الغرب كل شيء، ومثلنا الأعلى في كل شيء ، سياساته ودساتيره ، في مأكله ومشربه وطريقة تفكيره ’’ إنّه الانهيار الفكري والقيمي .
إنّ هذه الروح الانهزامية التي تتسلل داخل عروقنا كالفيروس الذي يذهب معنا أينما حللنا ونزلنا تعبّر عن حالة نفسية يصعب تجاوزها، زرعها في آبائنا وأمّهاتنا المستعمر، بحيث علّق حياتهم ومماتهم بيده وجعلهم في قبضته، يهدّدهم تارة بالعذاب إن رفضوا الاستكانة وتارة أخرى بالإغراء المالي إنهم تعاملوا معه كجواسيس على الذين رفضوا الركوع لغير الله.
لقد حاول الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي أن يجد تفسيرا دقيقا لظاهرة كهذه وسعى في أكثر من كتاب أن يجعل ظاهرة الاستلاب أو قابلية الاستعمار - كما يحب - مُقسّمة بين المُستعمر والمستعمَر، فالمستعمر، يريد منّا جهلة لا يعرفون شيئا عن دينهم ولا دنياهم ينظرون إلى دينهم نظرة سخرية وازدراء عاجزين دنيويا عن تحقيق مكاسبهم مُثقلين بالديون والهموم، يريد منّا مجتمعا منحطا أخلاقيا منقطعا عن قيمه، مَثله الأعلى هو الحضارة الغربية التي غيبت العقل وقدّست الشهوة، يريد منّا مجتمعا تغمره الأوساخ والذوق القبيح حتى ينظر إلى نفسه نظرة احتقار ويفتح له وجه الحضارة الغربية الخلفي ويحجب عنه الوجه الحقيقي للإباحية والإجرام، إنّه يريد منّا أن نستوي معه في كل شيء منحطٍ أخلاقيا ولا يريد منّا أن نُعامله مُعاملة الندية القائمة على المنافسة في مجال التكنولوجيا النووية والمراصد الفلكية وغزو الفضاء.
علينا أن نعامل الغرب بمنطقه العنجهي الناظر إلى شعوب العالم الثالث الممسوخة والمسلوبة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا، المطحونة بالفقر والأمراض والأوبئة والجهل والتخلف، التي لا تفكّر في القيادة والرّيادة إلا بقدر ما تفكر في الاستجداء والتسكع على موائد اللئام .
من زاوية أخرى حتى يتسنى لنا فهم نظرية قابلية الاستعمار المتجسدة في نظري بالاستلاب التي طرحها الفيلسوف مالك بن نبي فإنّا نقول إنّ قابلية الاستعمار التي تناثرت معانيها في كتب فيلسوفنا تجسّد جانب منها وبعمق حين تكلّم عن الأفكار الميتة والأفكار المميتة، ذلك أنّ الأفكار الميتة التي أنتجتها عوامل التعرية الثقافية التي تتمسك بالماضي وما فيه من مسرات لم تستوعب الحاضر وما فيه من آهات وأنّات، الأفكار الميتة التي صنعها الاستعمار وروّجها مستقبلوه القابعون في أحلام الماضي العاجزون عن مسايرة الواقع هم من يجسدون الشق الثاني من قابلية الاستعمار.
كما أنّ محمد قطب في كتابه ،، واقعنا المعاصر ،، حاول أن يعبّر عن الأفكار الميتة ونتائجها وإن لم يذكرها بهذا المصطلح بأنّ الذين تقوقعوا في زاوية من زوايا الدين ( التصوف ) وجعلوا الدين عِضين هم من يغذي الاستيلاب الثقافي والحضاري بإيحاءات مُغلفة بثوب من الدين، غير قابلين للتغيير ومُسايرة ومُواكبة الزمن ، ومن خلال هؤلاء الذين يسكنون كل بيت مُسلم زرعوا ثقافة الوهن وحبّبوا إلى الناس حبّ الانبطاح وعدم الاجترار وراء قوة المجتمع الغربي وحضارته التي لا تقهر.
إنّ ظاهرة الاستلاب الثقافي والحضاري لم تكن مُجرد صدفة، بل كانت نتيجة حتمية الوقوع، ذلك أنّ المعامل الإستراتيجية الغربية عملت من أجل هذا وبذلت من أجله ما تملك.
الأفكار المميتة التي ذكرها مالك بن نبي هي التي عبّر الفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي عنها في استراتيجياته العشر التي تؤكد صدق الأهداف التي يسعى الغرب إلى تحقيقها وبتدرج في كل بيت ومدينة ودولة، وجاء في هذه الوثيقة ما يلي:
1ـ استراتيجية الإلهاء والتسلية:
يقول تشومسكي استراتيجية الإلهاء عنصر أساسي لتحقيق الرقابة على المجتمع، عبر تحويل انتباه الرأي العام عن القضايا الهامة والتغيرات التي تقررها النخب السياسية والاقتصادية، مع إغراق النّاس بوابل متواصل من وسائل الترفيه, في مقابل شحّ المعلومات وندرتها وهي استراتيجية ضرورية أيضا لمنع العامة من الوصول إلى المعرفة الأساسية في مجالات العلوم والاقتصاد وعلم النفس وعلم الأعصاب، وعلم التحكم الآلي، حافظوا على اهتمام الرأي العام بعيدا عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، اجعلوه مفتونا بمسائل لا أهمية حقيقية لها، أبقوا الجمهور مشغولا، مشغولا، مشغولا، لا وقت لديه للتفكير، وعليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات.
إنّ من نظر في حال أمّتنا يدرك حقيقة هذه الإستراتيجية، ذلك أنّ أمتنا بليت بخلافات فرعية شغلتها عن القضايا المصيرية، كما أنّ منظماتنا الدولية لا يمكنها أن تحرّك ساكنا ما لم يوافق مجلس الأمن الدولي على قراراتها، كما أنّها أمطرت بوابل من وسائل الترفيه الغير هادفة والتي شغلت الشباب - الذين هم وقود المعركة المعرفية القادمة - عن إعداد العدة للنهضة الفكرية، كما أنّ جمهور أمّتنا شُغل بالمجون ومتابعة ملكات الجمال ومتابعة مباريات كرة القدم على طوال العام، كما أنّ وسائل الترفيه على مواقع التواصل الاجتماعي شغلت خيار الناس وخاصتهم فضلا عن العامة والدهماء.
2ـ إستراتيجية افتعال الأزمات و المشاكل وتقديم الحلول:
يسمّى تشومسكي هذا الأسلوب بالمشكلة، والتّفاعل، والحلّ يبدأ بخلق مشكلة, وافتعال وضع مّا الغاية منه انتزاع بعض ردود الفعل من الجمهور، بحيث يندفع الجمهور طالبا لحلٍ يرضيه على سبيل المثال: السّماح بانتشار العنف في المناطق الحضرية، أوتنظيم هجمات دموية، حتى تصبح قوانين الأمن العام مطلوبة حتّى على حساب الحرية، أو خلق أزمة اقتصادية يصبح الخروج منها مشروطا بقبول الحدّ من الحقوق الاجتماعية وتفكيك الخدمات العامّة, ويتمّ تقديم تلك الحلول المبرمجة مسبقا, ومن ثمّة قبولها على أنّها شرط لا بدّ منه.
إنّ افتعال المشاكل والأزمات واختلاق القلاقل والنزاعات - الداخلية والخارجية - الهدف منه هو بقاؤنا متعلقين بالغرب سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، في كل دولة من دول العالم الإسلامي هناك أزمات منها ما هو داخلي’’ السودان والصومال واليمن والعراق ومصر وليبيا وتونس والصحراء الغربية وأفغانستان وباكستان، كل ما يقع في هذه الدول هو نموذج لحروب العصابات، ومنها ما هو خارجي كفلسطين وكشمير وبورما.
إنّ هذه التشكيلة من الشرخ تُشكل الوجه الحقيقي لضعف أمّتنا عن تحقيق أبسط حق من حقوقها المسلوبة التي تباكت عليها علنا وقبضت ثمنها سرا مقابل بقاء من يتولون أمرها في الحكم.
لقد عمل الغرب تحت غطاء الأمم المتحدة في مؤسساته الدولية: البنك الدولي، الاتحاد الدولي لكرة القدم، مجلس الأمن، منظمة حقوق الإنسان، محكمة العدل الدولية، كل هذه المؤسسات التي ظاهرها الخير سعت وبشكل مباشر إلى تخدير أمتنا والضحك عليها.
فالبنك الدولي أغرقنا بالديون والقروض حتى أصبحنا عاجزين عن تسديد فواتيره، والاتحاد الدولي لكرة القدم تحكم هو الآخر في جماهيرنا التي أصبحت تنساق كالقطيع - صباحا ومساء- من أجل مشاهدة مُباريات وبطولات لو استخدمت وقتها في ما ينمّي تنميتها لكان أدعى إلى تقدّمها، ومنظمات حقوق الإنسان بشتى أصنافها: أطباء بلا حدود، صحافة بلا حدود، فالثانية تعمل في إثارة الطابور الخامس العامل في الصحافة، كما أنّ الأولى يعمل ممثلوها ممثلي في تنصير أبناء العالم الإسلامي المعانين من نكبات الفيضانات وويلات الحروب التي أشعلتها منظمات سوق الأسلحة في حلف شمال الأطلسي والحراسات الأمنية الأمريكية، كل هذا مقابل ما تجود به أيديهم؛ بين هذا وذاك يظل المسلم يتقلّب بين مطرقة الصواريخ الفسفورية وسندان المساومين على الدين، أمّا منظمة العدل الدولية فإنّها تُعاملنا معاملة المجانين المتخرجين - حديثا - من المارستان، فأي زعيم تنكّر للغرب أو أساء القول أو رفض الانصياع لهم يقدّمونه للمحاكمة غير آبهين بالشياطين الصهاينة العابثين في فلسطين .
إنّنا نعيش مرحلة حرب الأفكار المدعومة لوجستيا بالبارجات وناقلات الطائرات المحملة بأحدث القنابل الذكية.
3 ـ استراتيجية التدرّج:
يقول تشومسكي لضمان قبول ما لا يمكن قبوله يكفي أن يتمّ تطبيقه تدريجيّا على مدى عشر سنوات، بهذه الطريقة فرضت ظروف اقتصاديّة و اجتماعيّة مثّلت تحوّلا جذريّا كالنيوليبراليّة و ما صاحبها من معدلات البطالة الهائلة و الهشاشة والمرونة، العديد من التغييرات التي كانت ستتسبّب في ثورة إذا ما طبقت بشكل وحشيّ, يتمّ تمريرها تدريجيّا وعلى مراحل.
إنّ النيوليبرالية التي يتكلم عنها نعوم تشومسكي هي فكر آيديولوجي مبني على الليبرالية الاقتصادية التي تسعى إلى تقليص العمالة في القطاع العام وتكريس وجود العمالة في القطاع الخاص ليسهل التخلص منهم في أي وقت دون التزام مسبق بتعويض حق التقاعد أو التأمين الصحي وبهذا يصبح المجتمع عالة على الدولة مما سيسبب بطالة تعجز الدولة عن توفير حاجيات مواطنيها مما سيدفعها إلى طلب المساعدات الدولية أو القروض وبهذا يصبح المجتمع أسيرا في يد الغربيين دون أن يطلق الغرب رصاصة واحدة، ولتحقيق هذا الغرض يسعى الغربيون إلى تحقيق أهدافهم عن طريق مُدد طويلة الأمد، هذا إن كانت الدولة ذات نشاط إيماني بوطنها ومواطنيها أمّا إذا كانت من الدول النامية فلا تحتاج إلى هذا لأنها واقعة مسبقا في الفخ.
4 ـ استراتيجية التأجيل:
هناك طريقة أخرى يراها تشومسكي لتمرير قرار لا يحظى بشعبية وهو تقديمه باعتباره قرارا مؤلما ولكنّه ضروريّ، والسّعي إلى الحصول على موافقة الجمهور لتطبيق هذا القرار في المستقبل، ذلك أنّه من الأسهل دائما قبول القيام بالتضحية في المستقبل عوض التضحية في الحاضر، ولأنّ الجهد المطلوب لتخطّي الأمر لن يكون على الفور، ثم لأنّ الجمهور لا يزال يميل إلى الاعتقاد بسذاجة أنّ "كلّ شيء سيكون أفضل غدا"، و هو ما قد يمكّن من تجنّب التضحية المطلوبة وأخيرا فإنّ الوقت سيسمح ليعتاد الجمهور فكرة التغيير و يقبل الأمر طائعا عندما يحين الوقت.
لقد نجح الغرب في استخدام أسلوب الموت البطيء، ذلك أنّ المجتمعات الإسلامية المتحمّسة لقضاياها المصيرية والمطالبة بإحقاق الحق وإبطال الباطل في قضاياها الشائكة كفلسطين، أصيبت بالخيبة والهزيمة النفسية وعجزت جماهيرها - الثائرة - عن تحقيق حلمها وهو استقلال فلسطين موحدة الأراضي عاصمتها القدس الشريف، في حين نجد الغرب – المماطل - مؤسساته الراعية لحقوق الإنسان عاجزة عن تقرير مصير الفلسطينيين وعاجزة – كذلك- عن محاسبة الصهاينة، والحل الوحيد الذي يلوح في الأفق هو استراتيجية التأجيل.
5 ـ مخاطبة الجمهور على أنّهم قصّر أو أطفال في سنّ ما قبل البلوغ:
يقول تشومسكي مُعظم الإعلانات الموجّهة للجمهور العريض تتوسّل خطابا و حججا وشخصيات، أسلوبا خاصّا يوحي في كثير من الأحيان أنّ المشاهد طفل في سنّ الرضاعة أو أنّه يعاني إعاقة عقلية، كلّما كان الهدف تضليل المشاهد, إلاّ وتمّ اعتماد لغة صبيانية لماذا؟ إذا خاطبت شخصا كما لو كان في سنّ 12 عند ذلك ستوحي إليه أنّه كذلك وهناك احتمال أن تكون إجابته أو ردّ فعله العفوي كشخص في سنّ 12.
نعم، إنّ الوصاية الغربية على شؤون المسلمين توحي بأنّ القوم ليس فيهم رجل رشيد وأنّهم جماعة من القُصّر لم يبلغوا الحلم بعد، ويتجلى هذا في ثقافة الدول الاستعمارية تُجاه مستعمراتها القديمة، فدول الشمال الإفريقي تتحكم فرنسا في قراراتها السيادية وكأنّ تلك الحكومات ما هي إلا ممثل رسمي عن المستعمر الفرنسي، فأي انتخابات مثلا تنظم دون رعاية من مندوبيها تعتبر مزورة، وأي انقلاب عسكري قيم به يعتبر تحديا صارخا لألعوبة الديمقراطية التي تتحكم فيها، كما أنّ الدول التابعة للاستعمار لبريطاني ككينيا مثلا لا يمكن أن يرشح فيها أي رئيس ما لم يكن مرضي عنه ومزكى عند الإدارة لبريطانية، وهكذا في باقي الدول الإسلامية.
إنّ مفهوم الوصاية ومخاطبة الجماهير بمنطقها ما هو إلا منطق من الأفكار المميتة والسبب في هذا أنّ الغربيين غير واثقين ممن سيحكم الجماهير وعلى هذا الأساس فإنّ إعطاء مزيد من الحرية للجماهير ينافي الوصاية التي طرحها ماركس ونادى بأنّ الحكم يجب أن يبقى عند الخاصة وهو بهذا يطبق النهج السائد في أوروبا أيام سلطان الكنيسة، والغربيون من هذا الجانب إلحاديون ماديون يستخدمون أسلوب الكنيسة وهو الوصاية على الآخرين بحجة الحق الإلهي، كما أنّ الأمم المتحدّة التي تحتكر السيادة العالمية ما هي في حقيقة أمرها إلا أكبر منظمة لتشريع الظلم والاستعمار، ذلك أنّ الشعوب المقهورة لم تُستشر ولم يؤخذ رأيها أيام إنشاء المنظمة، والذين أنشئوها هم من صاغ قراراتها ليكون لهم الحق في استعمار من شاءوا دون تذمر ولا امتعاض من أحد.
إنّ شعوبنا الإسلامية مستلبة من حقها الطبيعي وهو اتخاذ قراراتها دون وصاية ويجب أن تتولى زمام أمرها دون أبسط ضغط خارجي وإلا لا يكون لمفهوم الاستقلال معنى.
6 ـ مخاطبة العاطفة بدل العقل:
يقول تشومسكي التوجّه إلى العواطف هو الأسلوب الكلاسيكي لتجاوز التحليل العقلاني، وبالتالي قتل ملكة النقد، وبالإضافة إلى أنّ استخدام السجل العاطفي يفتح الباب أمام اللاوعي ويعطّل ملكة التفكير، ويثير الرّغبات أو المخاوف والانفعالات.
إنّ عدم تقبل ثقافة النقد والتركيز على جانب المدح والإطراء ومخاطبة الجماهير بلغة العاطفة أسلوب اتخذته غالبية الساسة الغربيين تجاه مواطنيهم (هتلر نموذجا ) ولهذا يقول وزير إعلامه (غوبلز) إنّ سر الدعاية الفعالة يكمن لا في إذاعة بيانات تتناول آلاف الأشياء، ولكن في التركيز على بضع حقائق فقط ، وتوجيه آذان الناس وأبصارهم إليها مرارًا وتكرارا.
لقد عانت المجتمعات العربية والمسلمة وهي في عقر دارها من خطباء عاطفيين، يتباكون في كل أمسية ويرقصون على أوتار العاطفة من أجل أن يتناسى الجمهور قضاياه المزرية في شتى المجالات، كل هذا من أجل أن يبقى الجميع نائما على أنغام الماضي وأحلام المستقبل دون أن يحرك ساكنا.
7 ـ إغراق الجمهور في الجهل والغباء:
يقول تشومسكي لا بدّ من إبقاء الجمهور غير قادر على فهم التقنيات والأساليب المستعملة من أجل السيطرة عليه واستعباده، يجب أن تكون نوعية التعليم الذي يتوفّر للمستويات التعليميّة الدنيا سطحيّا بحيث تحافظ على الفجوة التي تفصل بين النخبة و العامّة و أن تبقى أسباب الفجوة مجهولة لدى المستويات الدنيا.
إنّ ثقافة تغييب العقل واستثمار قدراته تشكل للمجتمعات الإسلامية ظاهرة ما زال العقل الاسلامي عاجزا عن فهمها فضلا عن تقديم حلول لها، وهذه الظاهرة هي الفوارق الفردية في مجال التعليم، والسبب المعلن عند المختصين في مجال علم نفس التربوي هو اختلاف الناس في الذكاء وسعة الحافظة، وهذا القول وإن كان له وجه من الحقيقة إلا أنّنا نلاحظ المجتمعات ذات الطابع البدوي أبناؤها أكثر ذكاء من أبناء القاطنين في الحضر، كما أنّ تنوع قدرات أبناء الطبقة الغنية والمتوسطة تشكل حاجزا نفسيا قويا على أبناء الطبقة الكادحة والمسحوقة، وحين نقارن أبناء الغربيين بغيرهم نجد أنّ الغربيين وفرت لهم أسباب الفهم والإدراك وأبناء العالم الإسلامي بسبب الفقر والجوع والكوارث وضعف الكادر التعليمي بقوا عاجزين عن مسايرة الواقع، ثم إن المادة العلمية المقدمة للطالب في عالمنا الإسلامي لا ترقى إلى مستوى أبناء الغربيين، والسبب هو اعتقاد أفضلية أبناء الرجل الأبيض والقول بأنّ المسألة ترجع إلى ذكائه، والحقيقة أن الغرض هو منع وجود من يفكرون تفكيرا جيدا في العالم الإسلامي، وهذه الفجوة تشكل حاجزا نفسيا قويا في أبناء العالم الإسلامي جعلهم حتى وإن كانوا في المراكز العلمية الغربية يشعرون بنفس الشعور.
8 ـ تشجيع الجمهور على استحسان الرداءة: يرى نعوم تشومسكي أنّ تشجيع العامّة على أن تنظر بعين الرضا إلى كونها غبيّة و مبتذلة و غير متعلّمة سبب من أسباب السيطرة عليها وبقوة.
إنّ ظاهرة الإحباط والانطواء ثقافة حاول الغربيون زراعتها في بلادنا، وقد تجسدت هذه الثقافة في ظاهرة النكسة التي وقعت للعرب سنة 1967م بعد الحرب مع إسرائيل والتي سببت لنا هزيمة نفسية جعلت الجماهير العريضة من مجتمعاتنا لا تفكّر في غير ذاتها، كما أنّ ثقافة الإحباط والانزواء جعلت جماهير المسلمين من الأفارقة يقفون موقفا خاصا من قضية فلسطين بسبب عنجهية جمال عبد الناصر وقوميته للعرب والتي كانت سببا رئيسا في النكسة عام 1967م بعد أن وقف قائلا فلسطين عربية وستبقى عربية مُشيرا إلى أنّ الجهود المبذولة من قبل غير العرب غير مقبولة وأن لا حاجة فيها، وبهذا استطاع الغرب أن يشق عصا المسلمين ويقسم همومهم إلى هموم عربية لا دخل للعجم فيها وهموم عجمية لا دخل للعرب فيها، كل هذا زرع ثقافة الإحباط واليأس من شيء اسمه أمة إسلامية موحدة.
9 ـ تحويل مشاعر التمرّد إلى إحساس بالذّنب:
يحدّد نعوم تشومسكي ظاهرة الإحساس بالذنب بأنّها هي دفع كلّ فرد في المجتمع إلى الاعتقاد بأنّه هو المسئول الوحيد عن تعاسته، وذلك بسبب عدم محدوديّة ذكائه و ضعف قدرته أو جهوده، وهكذا، بدلا من أن يثور على النظام الاقتصادي يحطّ الفرد من ذاته و يغرق نفسه في الشّعور بالذنب ، ممّا يخلق لديه حالة اكتئاب تؤثر سلبا على النشاط ، و دون نشاط أو فاعليّة لا تتحققّ الثورة.
إنّ اهتمامنا بالجزئيات وحرصنا على اللوم واللوم المضاد شكّل نوعا يريح المؤسسات والشركات الغربية العاملة في بلادنا، بحكم أننّا نحن هم السبب الأول وراء كل أزمة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وبهذا يجد الغرب مخرجا دون أن تكون أصابع الاتهام ممدودة إليهم أو إلى شريكهم المباشر، كما أنّ الحصانة القانونية التي تجعلهم بريئين من أي فساد مالي أو أخلاقي شكلت للغربيين منعطفا يلجئون إليه عند كل ضائقة، وبهذا يشعر الجميع بالذنب وبدل محاسبة الشريكات الأجنبية العاملة يتحول الذنب إلى الأفراد البسطاء.
10ـ معرفة الأفراد أكثر من معرفتهم لذواتهم:
يقول نعوم تشومسكي على مدى السنوات ال 50 الماضية ، نتج عن التقدّم السّريع في العلوم اتّساع للفجوة بين معارف العامة وتلك التي تملكها و تستخدمها النّخب الحاكمة، فمع علم الأعصاب وعلم الأحياء وعلم النفس التطبيقي وصل "النظام العالمي" إلى معرفة متقدّمة للإنسان، سواء عضويّا أو نفسيا. لقد تمكّن "النظام" من معرفة الأفراد أكثر من معرفتهم لذواتهم وهذا يعني أنه في معظم الحالات ، يسيطر "النظام" على الأشخاص ويتحكّم فيهم أكثر من سيطرتهم على أنفسهم.
إنّ هذا المفهوم الذي يقرره نعوم تشومسكي يتجسد في الدول التي تُعامل مواطنيها كأجانب مُستخدمة لغة الكر والفر وراء كل من سعى بنفسه إلى تجاوز حاجز الهزيمة النفسية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهي بهذا تمثل نفس الدول الذي تقوم به الدول الغربية التي تتربع على العرش الهرمي لدول العالم الثالث.
كما أنّ سبب هذه الفجوة التي نعيشها هو معرفة الأنظمة الحاكمة عندنا لآليات الهزيمة والخداع والمكر، وبهذا أصبحت محيطة ومدركة كل الإدراك بعد جس نبض الجماهير بكيفية إسكاته وإقناعه عاطفيا دون أن يحدث أي احتكاك.
إنّ ظاهرة الاستلاب الثقافي لا يمكننا أن نحمّلها للغرب وحده، ذلك أنّنا نحن هم من رضي للغرب بالاستعلاء على ظهورنا، وحين نحاكم أنفسنا بأنفسنا نُدرك أنّنا انسلخنا من قيمنا الدينية وبقينا نتقلب ونتخبط في اللاشيء، ونترجى من الغرب حصول كل شيء؛ ( الدواء وحجرة الكبريت ) غير ساعين إلى الاستقلال عنه، وحتى إن استقلّ البعض منا يبقى البعض الآخر يلوح بيده لا أريد غير الاستغلال،،، يكفيني أنّك أنت أيها الغربي قدوتي في كل شيء وسيدي في كل شيء وأنا عبدك ومولاك في كل شيء.

المهدي ولد أحمد طالب/ كاتب وباحث في الفكر الاسلامي

الجمعة، 4 يوليو 2014

أحلام اليقظة - حديث النسيان

أحد الفصول الدراسية في إعدادية كنكوصة.
ثلاث وثلاثون ألف تلميذ يدخلون قفص المرحلة الاعدادية لعام 2014- 2015 م في موريتانيا ويودّعون لابتدائية ... أبارك لأبناء موريتانيا الغد هذه الخطوة وأتمنى لهم التوفيق والسداد.
أتذكر وأنا في تلك المرحلة قبل 17 سنة من الآن أنّي فرحت أيما فرح، ورقصت وترنّمت وأصبحت أعيش مرحلة من مراحل الزهو، حيث أصبحت أرتدي دراعة وأمشي شامخ الأنف، أقول لكل من يعترض طريقي في اعدادية كنكوصة لدي حصص من الرياضيات والفيزياء وكأني خبير نووي وأصبحت أتحدث عن الأمريكيتين بطلاقة وتاريخ الحرب العالمية وكيف هزمت ألمانيا وانعكاسات الحرب الباردة وحقيقة الصراع في البوسنة وإشكالية كشمير وحق الفلسطينيين في تقرير المصير وكثيرا ما حدثنا أستاذ التاريخ محمد ولد شامخ عن رحلته إلى الولايات المتحدة وأجوائها الجميلة.
في تلك المرحلة دهشت بمادة العلوم الطبيعية التي جاءت كبديل عن مادة دراسة الوسط التي كنا نعيشها في المرحلة لابتدائية، لقد عانيت من إشكالية التحول البايلوجي لدى الآميبا وأصبح أستاذنا سليمان يمطرنا كل صباح بالحديث عنها، وأقول في نفسي إذا كانت هذه الحشرة لا ترى بالعين المجرّدة فلماذا نعطيها هذا لاهتمام الزائد؟ كان أستاذنا مغرم بالحديث عنها وعن النباتات وفصائلها.
لقد جمعت تلك لاعدادية مختلف الأجناس البشرية وأصحاب الطبائع والأذواق المتنوعة ... تعرّفت فيها على محمد يسلم ولد البمباري ودبيته وإدوم ولد غالي وباقي الرفقاء والمشوشين. 
كان  يدرسنا  مادة التربية الإسلامية الأستاذ هدال، الذي كان يتوعدنا كل صباح بالرسوب إن نحن لم نقم بتنظيف منزله وغسل ثيابه وطهي طعامه والسعي في رغباته... كان الرجل صحراويا على طبيعته يحب البادية ويعشق السكن منعزلا عن الناس في حي (إفك) يتبّع بقراته في كل صباح ومن ثمّ يتوجه صوبنا ليردّد أبياتا من بردة البوصيري ويحدّثنا عن وقائع بدر الكبرى... كان الرجل يعيش طبيعة خاصة ويلقى ترحيبا من أبناء المقاطعة وأستاتذتها وشيوخها وكثيرا ما حدّثنا عن رحلته إلى السعودية. 
كان يدرسنا مادة الرياضيات الأستاذ إدوم والذي كان ينهمك هو الآخر في شرح المعادلات والأشكال الهندسية وكيفية حساب المساحات وطرق معرفة المجهول (س وص) من كل معادلة. 
كان رجلا خيّرا من أبناء المقاطعة يحب لهم التفوق في لامتحانات ويسعى في تذليل الصعاب أمامهم، ومن ذلك أنّه لما وصلنا إلى السنة الثالثة من لاعدادية وعدنا بتقديم دروس مسائية مقابل مبلغ رمزي يدفعه كل منا، وقد أخذني الفضول لحضور درسا من دروسه وبعد خروج انتهاء حصته، خرجت وأنا أعيش بين الخوف والرجاء، وبعد وصولي إلى بيت أهلي شاهدني أستاذي - الطيب - سليمان واستفسر عن حصص زميله التي وعدنا بتقديمها، قلت له أني حضرتها وكدّر صفوها لاشتراك شهري، فسقط مغشيا عليه من الضحك، ووعدني هو الآخر بتقديم تلك الحصص في بيته دون أي مقابل، الأمر الذي جعلني اهتم بهذه المادة. 
أتذكر - كذلك - الأستاذ محمودا الذي درّسنا مادة العلوم في السنة الثانية، وكان رجلا يتميّز بطبع خاص، حيث الجدية والنشاط وغرائب الألفاظ، كان رجلا ظريفا يحب النكت والحديث عن شوارع القاهرة. 
أتذكر مُراقبها (علي سوكابه)، الذي كان يدق الجرس في كل صباح، ويخدمنا بشايه العذب وقت الفسحة الصباحية.  أتذكر مدير تلك لاعدادية - حينها - لمليح ولد العيد، الإمام العادل - نحسبه - صاحب الصوت الشجي والقراءة المجودة والمرتلة، لقد كان الرجل يتفقدنا كل صباح، ويحاسب الموظفين والأستاذة على أي تأخر، بل إنّ الرجل يحسب له النقلة النوعية التي حدثت لتلك المؤسسة الواقعة في غابة من شجر الغرقد. 
لقد عشت في تلك الاعدادية مرحلة خاصة لها وقعها المميز في ذاكرتي، حيث تعرفتها على أصدقاء وزملاء عشت معهم قبلها وبعدها لسنوات، تشع بالسكينة والوقاروالحبور.  
وبعد أن تجاوزت تلك المرحلة عرفت أني ما زلت في بداية الطريق وأنّ ما كنت أتحدث عنه مجرّد أضغاث أحلام/المهدي بن أحمد طالب 



الثلاثاء، 1 يوليو 2014

العربية ومكانتها في الاسلام


العربية لغة شبّت وترعرعت في أحضان الجزيرة العربية، ولم يزل العرب يتلقونها ويتناقلونها بين المديح والهجاء والوصف والرثاء حتى جاء القرآن الكريم، ليحتوي أسمى معانيها ويخرجها من إطاريها الجغرافي الضيق إلى سعة الدنيا ورحابة الإسلام.
إنّنا حين نتحدّث عن اللغة العربية لا يعني هذا تعصبا منا للغة قوم أو جنسهم بعينهم ضدّ آخرين، لا يعني هذا أنّنا نسعى إلى محو كل اللغات من على وجه الأرض أو اختزال كل شيء فيها، نتحدث عنها لإعطائها شيئا من حقها المهدور والمنزوع عنوة بحجج أوهى من بيت العنكبوت، نتحدّث عنها كلغة ظلت صامدة في وجه العدوان الثقافي ومحاولات الاستلاب الفكري والقضاء على جذوة نارها التي ظلت تشتعل وتتقد منذ أمد بعيد.
العربية لغة التاريخ والجغرافيا، نعم هي التاريخ بعينه لأنّها اكتست قدسيتها الحضارية ووجدت نضارتها يوم أسبل القرآن الكريم أثوابه عليها وتكلّم بها سيد ولد آدم محمد عليه الصلاة والسلام مُبينا ومُوضحا ما نزّل إلى الناس، ونالت الحفظ والتمكين من ما تضمّنه لسانها المبين، وهي الجغرافيا لأنّها اقترنت بالإسلام وسارت معه مُشرّقة ومُغرّبة حاملة أثوابا من البديع والاعجاز البياني والأهازيج والمرصعات، حاملة الدلائل والاشتقاقات والتصاريف، حاملة المفرد والمثنى والمذكر والمؤنث، حاملة معها الوساوس والخلجات التي يعبر عنها الشعراء والأدباء في قصائد شعرية وقصاصات نثرية امتلأ بها الأغاني للأصبهاني والعقد الفريد لابن عبد ربه ونفح الطيب للمقري، امتلأ بها الأمالي للقالي وبهجة المجالس لابن عبد البر ونضح بها فكر الجاحظ وابن قتيبة.
لم تنل العربية جمالها من مادتها الفنية والهيكلية بقدر ما نالته من الاعجاز اللفظي والبياني والبلاغي الذي احتواه القرآن الكريم والذي جاء تحدّيا لقوم أوتوا سحرا في البيان وشقشقة في التعبير.
نعم، جاء التحدي في أن يأتوا بسورة أو آيته تشابهه في النسق أو التركيب، قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً.
من جهة أخرى نجد أنّ الثراء المعرفي والحضاري الذي حظيت به اللغة العربية كان نتيجة حتمية، ذلك أنّ العقل البشري الباحث في حقائق التنزيل والكون، ظل جاهدا في النشوء الفكري والتطور المعرفي من أجل الوصول إلى معرفة الوحي والاحاطة به وهيهات له ذلك، فهو لن يصل إلى مرتبة الوحي الإلهي الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد، وهذا ما جعل التفكير في المادة اللغوية كأداة معرفة يتطور شيئا فشيئا في أذهان المسلمين دون لغوب أو نصب.
العربية من هذا الجانب جعلت الكل يجد ضالته ومبتغاه في السند القرآني الذي أعطاها دفعا قويا إلى الأمام، يجد هوايته ورياضته الفكرية والثقافية التي تروّض عليها فكره وعقله، فللمفسر أن يغوص في أعماق التفسير القرآني ويستخرج الأصداف التي يحور منها أولوا الألباب، ومن هذا المنطلق انقسمت مدارس التفسير بين الإشاري، والموضوعي، والبلاغي والتحليلي، والفقهي، والإعرابي.
لقد نالت العربية حظها ومكانتها في قلوب المسلمين من خلال حظها العيني الذي يتعين على كل مسلم ينطق بالشهادتين، والذي يحتّم عليه معرفة معاني أركان الشهادة والنطق بالفاتحة نطقا لا يخلُّ بمعانيها السامية، كما أنّ الأذان للصلاة لا يكون إلا بها، والتلبية للحج من الأدعية الموقوفة باللفظ العربي، والقرآن لا يمكن ترتيله بغيرها، وألفاظ الصلاة كلها محصورة فيها، بل إنّ كل الألفاظ التعبدية موقوفة عليها ولا يجزئ عنها غيرها إلا لضرورة قاهرة وفي هذا المنحى ذكر الماوردي في الحاوي عن الشافعي أنّه قال:
على كل مسلم أن يتعلّم من لسان العرب ما بلغه جهده في أداء فرضه كما عليه أن يتعلم الصلاة والأذكار، وذكر ابن أبي شيبة في مصنّفه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّه قال: تعلموا العربية، وحسن العبارة، وتفقهوا في الدين، وقال الثعالبي في فقه اللغة: من أحب الله تعالى أحب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم ومن أحبَّ الرسول العربي أحبَّ العرب ومن أحبَّ العرب أحبَّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب ومن أحبَّ العربية عُنيَ بها وثابر عليها وصرف همَّته إليها ومن هداه الله للإسلام وشرح صدره للإيمان وآتاه حسن سريرة فيه اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل والإسلام خير الملل والعرب خير الأمم والعربية خير اللغات والألسنة.
إنّ تعلّم الفروض العينية من الشريعة واجب على كل مسلم وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وحفظ الشريعة عموما يجب على أفراد الأمة الذين يبلّغونها إلى الناس كافة، وإذا تخلوا عن هذا المقصد الشرعي وتكاسلوا يأثموا جميعا، ولن يتأتى لهم هذا الحفظ دون لاهتمام بلغة العرب وآدابها الذين نزل القرآن الكريم بلغتهم.
إنّ هذا الشرع كذلك مهما تبحر أحد في غير اللغة التي أنزل بها سيبقى جاهلا لكثير من أسرار التشريع الإلهي ودقائق الاستنباط التي لم ولن تحصل لمن لم يهتم بكيان اللغة العربية وهيكلها من صرف ونحو وبلاغة وبيان.
ثم إنّ تعلّم أي لغة سيؤثّر في الناشئة والمتلقي تأثيرا قويا ومباشرا، مما ينعكس بالسلب أو الإيجاب عليه وسيتجلى هذا في الأخلاق والسلوك، ويفسر عبد الرحمن بن خلدون في تاريخه هذه الظاهرة من الناحية الاجتماعية بقوله: المغلوب مولع أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، ويفسرها ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم من الناحية الشرعية بقوله:
إنّ اعتياد اللغة يؤثر في العقل، والخلق، والدين تأثيرا قويا بينا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق، وأيضا فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقال أيضا في نفس الكتاب إن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله ، واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون، ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية التي في الصلاة والذكر أن يُدعى الله أو يذكر بغير العربية.
إنّ التحدّث بغير العربية لغير ضرورة من العربي المسلم أو المستعرب كرهه السلف وذموه، أمّا من كان ذلك لسانه الأصلي فلا حرج فيه، لكنه مطالب شرعا بتعلُّم ما يصلح الضروري من دينه، ولهذا قال ابن تيمية في الفتاوى:
وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات وهو التكلم بغير العربية إلا لحاجة كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد، بل قال مالك من تكلم في مسجدنا بغير العربية أخرج منه، مع أنّ سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها؛ ولكن سوغوها للحاجة وكرهوها لغير الحاجة ولحفظ شعائر الإسلام؛ فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي وبعث به نبيه العربي وجعل الأمة العربية خير الأمم فصار حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام،،،، والذين يبدّلون اللسان العربي ويفسدونه لهم من هذا الذم والعقاب بقدر ما يفتحونه؛ فإنّ صلاح العقل واللسان مما يؤمر به الإنسان ويعين ذلك على تمام الإيمان وضد ذلك يوجب الشقاق والضلال والخسران.
ثمّ إنّه لاحظّ في الإسلام لمن لا يعرف العربية وحظّه منه بقدر حظه من معرفتها، ولهذا قال الشاطبي في الموافقات:
الشريعة عربية، وإذا كانت عربية فلا يفهمها حق الفهم إلا من فهم اللغة العربية حق الفهم، لأنهما سيان في النمط ما عدا وجوه الإعجاز، فإذا فرضنا مبتدئا في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة، وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة ولا كان قوله فيها مقبولا، فلا بدّ من أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة فيها كالخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني.
ولنعلم كذلك أنّ تعلُّم غير المسلمين من أهل الذمة لكلام العرب من غير ضرورة للمسلمين منعه كثير من العلماء مقتدين بعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولهذا قال ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة:
منع عمر بن الخطاب أهل الذمة من التكلم بكلام العرب لئلا يتشبهوا بهم في كلامهم كما منعوا من التشبه بهم في زيهم ولباسهم ومراكبهم وهيئات شعورهم، فألزمهم التكلم بلسانهم ليعرفوا حين التكلم أنهم كفار، فيكون هذا من كمال التميز مع ما في ذلك من تعظيم كلام العرب ولغتهم، حيث لم يسلّط عليها الأنجاس والأخابث يبتذلونها ويتكلمون بها، كيف وقد أنزل الله بها أشرف كتبه ومدحه بلسان عربي؟
إنّ علماء الإسلام تكلموا عن مكانة اللغة العربية وحافظوا على هيبتها حفاظا على هيبة الإسلام في النفوس وعدم إهانتها خوفا من إهانة الإسلام أو ضعف هيبته في النفوس، ولهذا قال أبو محمد بن حزم في كتابه الإحكام في أصول الأحكام:
إن اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في مساكنهم أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم فإنما يقيّد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها وفراغهم وأما من تلفت دولتهم وغلب عليهم عدوهم واشتغلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون منهم موت الخواطر وربما كان ذلك سببا لذهاب لغتهم ونسيان أنسابهم وأخبارهم وبيود علومهم هذا موجود بالمشاهدة ومعلوم بالعقل ضرورة، ويعبّر عنه مصطفى صادق الرافعي في كتابه وحي القلم:
وما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار؛ ومن هذا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضًا على الأمة المستعمرة، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها، ويستلحقهم من ناحيتها؛ فيحكم عليهم أحكامًا ثلاثة في عمل واحد:
أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنًا مؤبدًا؛ وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوًا ونسيانًا؛ وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها؛ فأمرهم من بعدها لأمره تبع. / المهدي ولد أحمد طالب